إسلام الغمري: فلسطين هي الميزان.. كيف نقرأ صراع المشاريع في منطقتنا؟
دعا الكاتب إسلام الغمري إلى تقييم الصراع الإقليمي بميزان العدل بعيدًا عن الانحياز العاطفي، مع التفرقة بين الاحتلال كخطر وجودي وصراعات النفوذ الإقليمي، مؤكدًا أن فلسطين يجب أن تبقى البوصلة، وأن التحرر لا يتحقق إلا ببناء مشروع مستقل يرفض كل أشكال التبعية.
جاء في مقال للأستاذ "إسلام الغمري" نائب رئيس مركز حريات للدراسات السياسية والإستراتيجية، مايلي:
قال الله تعالى: "اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى".
هذه ليست عبارة وعظية عابرة، بل قاعدة منهجية يُقاس بها الموقف قبل أن يُقاس بها الخصم. وحين يشتد الاستقطاب، ويعلو الصوت فوق العقل، يصبح العدل أول الضحايا. واليوم، في ظل الحديث عن مواجهة محتملة بين أمريكا وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، يختلط الميزان عند كثيرين، لا لأن الصورة غامضة، بل لأن المقارنات تختلط بالعاطفة والانحياز.
لسنا أمام صلاح الدين في مواجهة غازٍ صريح، ولا أمام قطز في معركة فاصلة بين حقٍ مطلق وباطلٍ مطلق. نحن أمام مشاريع قوة تتصارع، لكل منها مصالحه، وأدواته، ومجالات نفوذه. تحويل المشهد إلى ثنائية رومانسية يريح الضمير، لكنه لا يخدم الحقيقة، لأن السياسة المعاصرة أعقد من أن تختزل في شعار.
قوى الهيمنة وتغيير الجغرافيا:
إذا عدنا إلى التاريخ الحديث، فعلينا أن نسأل بوضوح: من أعاد تشكيل المنطقة سياسيًا وعسكريًا؟ لقد قادت الولايات المتحدة غزو العراق عام 2003، واحتلال أفغانستان، وفرضت عقوبات أنهكت شعوبًا كاملة وأعادت رسم خرائط النفوذ عبر قواعد عسكرية وتحالفات ممتدة. هذه ليست أحداثًا معزولة، بل جزء من بنية هيمنة عابرة للقارات.
أما إسرائيل، فاحتلالها لفلسطين ليس موضع تأويل. الاستيطان، والحروب المتكررة على غزة، والتهديد المستمر لدول الجوار، كلها عناصر مركزية في فهم طبيعة الخطر القائم. إن خطر الاحتلال ليس خلافًا سياسيًا عابرًا، بل مشروعًا استيطانيًا يقوم على الإقصاء وإعادة تشكيل الجغرافيا والديموغرافيا بالقوة.
في المقابل، لا يجوز تجاهل مشروع إيران الإقليمي وأدواته العسكرية في سوريا والعراق، والنتائج الملموسة على الأرض. لإيران حساباتها ومجالات نفوذها، ولها أخطاء أثرت في استقرار بعض الدول. غير أن التمييز واجب بين نقد هذه السياسات وبين تحويلها إلى ذريعة لتبرير مشروع الاحتلال أو تبرئة منظومة الهيمنة الأوسع. فرفض التدخلات الإقليمية لا يعني القبول بالهيمنة الدولية، كما أن معارضة الاحتلال لا تعني تبنّي أي مشروع إقليمي بديل دون مساءلة.
وهنا يظهر الفارق الجوهري بين خطر الاحتلال الوجودي الذي يستهدف هوية الأمة وأرضها، وبين صراع النفوذ الإقليمي الذي يبقى – مهما اتسع – داخل إطار التنافس على التأثير. الخلط بين المستويين هو أول اختلال في الميزان.
اللعبة المزدوجة والتخادم الجيوسياسي:
علينا أن ندرك بوعي عميق أن إبقاء المنطقة في حالة استنزاف دائم بين هذه المحاور يخدم في النهاية مَن يملك القدرة الأكبر على إعادة تشكيل الإقليم. التخويف المتبادل بين المشاريع يُستخدم أحيانًا لشرعنة القواعد الأجنبية وتمرير مسارات التطبيع وتكريس التبعية الأمنية. هذه الحلقة المغلقة لا تُكسر بالانفعال، بل بفهم طبيعة التخادم غير المباشر الذي قد ينشأ بين خصومٍ يبدون متصارعين.
وهنا يبرز السؤال عن المشروع الغائب: مشروع الذات. فالميزان لا يستقيم بالوقوف متفرجين بين محورين، بل بصياغة رؤية عربية إسلامية مستقلة ترفض أن تكون ساحة تصفية حسابات. مشروع الذات لا يعني استبدال تبعية بأخرى، ولا الارتهان لقوة إقليمية على حساب القرار الوطني، بل يعني بناء كتلة واعية تفرض شروطها وتحمي مصالحها وتُبقي فلسطين في مركز البوصلة.
وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى بعض النماذج الإقليمية التي تحاول تقليل هامش التبعية ورفع سقف الاستقلالية في القرار، ومنها تجارب تسعى إلى موازنة النفوذ الغربي والدفاع عن القضية الفلسطينية. غير أن تثمين أي جهد في هذا الاتجاه يجب أن يظل مشروطًا بوضوح الهدف النهائي: التحرر الشامل لا إعادة توزيع النفوذ.
معايير القرب من فلسطين:
إن القرب من فلسطين ليس شعارًا، بل معيار يُقاس بالفعل والنتيجة. هل يسهم هذا الطرف أو ذاك في تحجيم المشروع الصهيوني فعليًا؟ أم يستخدم القضية كورقة تفاوض؟ هل يؤدي مساره إلى تعزيز صمود الفلسطينيين، أم إلى توظيف معاناتهم في صراعات أوسع؟ الانحياز لفلسطين يفرض علينا أن نثمن كل جهد يوجع الاحتلال، دون أن نفقد استقلالية البوصلة أو نسقط في اصطفاف غير محسوب.
المشكلة تبدأ حين تتحول الضرورة إلى قناعة، والقناعة إلى ولاء، والولاء إلى تعمية عن الأخطاء. هنا يختلط الميزان فعلًا. ويبقى السؤال: أيهما من المنطقة وأيهما دخيل؟ الفاعل الإقليمي – مهما اختلفنا معه – يبقى جزءًا من معادلة الإقليم، بينما الفاعل العابر للقارات يعيد تشكيل المعادلة من خارجها وبأدوات استعمارية ممتدة. لكن هذا التمييز لا يمنح حصانة لأحد، بل يضع كل مشروع تحت اختبار المآلات والنتائج.
خاتمة:
في الختام، إن معركتنا ليست في اختيار "سيد" جديد، بل في التحرر من كل أشكال التبعية. والعدل الذي ننشده لا يعني الوقوف على الحياد بين القاتل والضحية، بل يعني أن تكون فلسطين هي الميزان الذي تُقاس به المواقف. غير أن هذا الميزان لا يستقيم إلا إذا بقيت غايته واضحة: التحرير الشامل، لا استبدال نفوذٍ بنفوذ، ولا إعادة إنتاج دائرة الهيمنة بأسماء مختلفة.
"اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى" ليست شعارًا أخلاقيًا فحسب، بل قاعدة حكم سياسي. فإذا اختل الميزان ضاعت الحقيقة بين الشعارات، وإذا استقام أمكن نقد الجميع دون خوف، ورفض الجميع إن اعتدوا، دون ارتباك. معركة الوعي جزءٌ أصيلٌ من معركة التحرير، والتحرر يبدأ بإقامة ميزانٍ عادل في العقول قبل الميادين. (İLKHA)
تنبيه: وكالة إيلكا الإخبارية تمتلك جميع حقوق نشر الأخبار والصور وأشرطة الفيديو التي يتم نشرها في الموقع،وفي أي حال من الأحوال لن يمكن استخدامها كليا أو جزئياً دون عقد مبرم مع الوكالة أو اشتراك مسبق.
يسلط الأستاذ عبد الله أصلان الضوء على معاناة المواطنين من غلاء المعيشة والضرائب والفوائد، مؤكدًا أن النظام الاقتصادي الحالي يثقل كاهل الأسر ويضع الشباب أمام أعباء كبيرة، داعيًا المجتمع والمؤسسات الخيرية للتكاتف وتقديم الدعم، خاصة في شهر رمضان المبارك.
يسلط الأستاذ حسن ساباز الضوء على شبكة إبستين حيث لم تكن مجرد فضائح جنسية، بل أداة سياسية للنظام الصهيوني تربط بين شخصيات عالمية وتحالفات دولية، مؤكدًا أن طوفان الأقصى هو الكاشف الحقيقي للوجوه القذرة وراء الأقنعة.
يؤكد الأستاذ محمد كوكطاش أن الزواج عبادة عظيمة لا تقل شأنًا عن سائر العبادات، بل يمتد أثرها إلى الآخرة إذا قامت على التقوى، كما يشدد على أن بناء الأسرة المسلمة اليوم يمثل حصنًا أخلاقيًا وحضاريًا في وجه الاستهداف، وصورةً من صور الجهاد في حماية القيم.