محمد كوكطاش: مكة.. حين كانت الأولوية لبناء الإنسان
يكشف الأستاذ محمد كوكطاش أن تجربة الرسول صلى الله عليه وسلم تبرز أولوية بناء الإنسان وتربيته حين تكون الظروف غير مستقرة، قبل الانشغال بتشييد المباني والمؤسسات.
كتب الأستاذ محمد كوكطاش مقالاً جاء فيه:
لم يضع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكة حجراً فوق حجر، ولم يشيد بيتاً أو مبنى باسم الإسلام خلال المرحلة المكية، فقد كان يعلم أن مكة ليست تحت سلطان المسلمين، وأن المشركين هم أصحاب النفوذ والسيطرة فيها، وكان يدرك كذلك أن المسلمين قد يُجبرون على مغادرتها، بل قد يُطردون حتى من البيوت التي كانوا يملكونها، وفي مثل هذه الظروف، لم يكن بناء المنشآت أو إقامة المشاريع العمرانية في مكة من أولوياته.
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوجه اهتمامه إلى الإنسان قبل كل شيء؛ فيرعى أصحابه، ويعمل على تربيتهم وتأهيلهم، ويعلّمهم الوحي ويحثهم على حفظه والعمل به، وكان للمسلمين مكان يجتمعون فيه، هو دار الأرقم، كما كانوا يقصدون الكعبة للعبادة، لكنهم كانوا يدركون أن بقاءهم في هذه الأماكن لم يكن مضموناً، وأنهم قد يُجبرون على مغادرتها في أي وقت.
لكن المشهد تغيّر بعد الهجرة إلى المدينة المنورة، فما إن وصل رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدأ بتأسيس المسجد، وحدد موقعه وشرع في بنائه، بل إنه بنى مسجد قباء خلال توقفه في قباء قبل دخول المدينة، فقد أصبحت قباء والمدينة موطناً مستقراً للمسلمين، ولم يعد احتمال إخراجهم منهما قائماً كما كان في مكة.
ومن هنا، أرى أن من المهم أن نتوقف عند هذا المعيار ونسأل: هل يمكن تطبيقه على واقع المسلمين في مختلف أنحاء العالم اليوم؟ وإلى أي مدى يمتلك المسلمون الاستقرار والقدرة على حماية وجودهم ومؤسساتهم في البلدان التي يعيشون فيها؟ وهل من الحكمة أن تُستثمر معظم الطاقات والإمكانات في تشييد المباني والمنشآت، أم أن الأولوية ينبغي أن تكون لبناء الإنسان وتأهيله؟
وكما أشرت في البداية، يبقى السؤال مطروحاً أمام كل مسلم ليجيب عنه وفق قراءته للواقع: إلى أي مدى تنطبق هذه المعايير على تركيا المعاصرة؟ وهل تركيا اليوم أقرب إلى مكة أم إلى المدينة؟ وهل ينبغي أن تتجه الجهود بصورة أساسية إلى تربية الإنسان وتعليمه، أم إلى بناء المؤسسات والمنشآت؟
وأقول ذلك بالنظر إلى ما شهدته السنوات الأخيرة من الاستيلاء على آلاف الشقق، وآلاف مراكز التعليم، ومئات المساكن الطلابية ودور الإقامة، فهذه التجارب تدفعنا إلى إعادة التفكير في طبيعة الاستثمار الذي يمكن أن يبقى أثره حتى عندما تتغير الظروف.
ولا يقتصر هذا التساؤل على تركيا وحدها، بل يمتد أيضاً إلى الأموال والإمكانات التي جرى استثمارها في دول خارجها، وهنا يبرز سؤال جوهري: إلى أي مدى يمكن اعتبار تلك البيئات مستقرة وقابلة لأن تكون موطناً دائماً وآمناً للمسلمين، بحيث يكون توجيه أموالهم وطاقاتهم إليها استثماراً مستداماً؟
إن القضية ليست في التقليل من أهمية المباني أو المؤسسات، وإنما في ترتيب الأولويات وفق طبيعة المرحلة والظروف، فالمبنى قد يُفقد، والمؤسسة قد تُغلق، والظروف قد تتغير، لكن الإنسان الذي جرى بناؤه وتأهيله يستطيع أن يعيد بناء ما فقده وأن يبدأ من جديد.
ولهذا، فإن السؤال الذي يستحق أن يبقى حاضراً أمامنا هو: أين ينبغي أن يكون استثمارنا الأكبر: في بناء الحجر أم في بناء الإنسان؟
مع التحية والدعاء. (İLKHA)
تنبيه: وكالة إيلكا الإخبارية تمتلك جميع حقوق نشر الأخبار والصور وأشرطة الفيديو التي يتم نشرها في الموقع،وفي أي حال من الأحوال لن يمكن استخدامها كليا أو جزئياً دون عقد مبرم مع الوكالة أو اشتراك مسبق.
أحيا الكاتب والمحلل السياسي إسلام الغمري في مقال له الذكرى الحادية عشرة لرحيل الدكتور عصام دربالة، رئيس مجلس شورى الجماعة الإسلامية، مستذكرًا مسيرته القيادية والفكرية والتربوية، ومشيدًا بما وصفه بخصاله الاستثنائية وثباته وقدرته على تحمل المسؤولية والمراجعة الفكرية خلال مراحل مختلفة من حياته.
أكد الكاتب والمحلل السياسي إسلام الغمري، أن اتفاق مكة بين السعودية وتركيا وباكستان يمثل خطوة نحو بناء نواة دفاع إقليمي أكثر استقلالًا، بعيدًا عن الاعتماد الكامل على المظلة الأمريكية، مشيرًا إلى أن الاتفاق لا يستهدف إيران بقدر ما يعكس توجهًا متزايدًا لتعزيز القدرات الدفاعية الذاتية لدول المنطقة.
يسلط الكاتب محمد كوكطاش الضوء على واحدة من القضايا التاريخية المثيرة للجدل، متتبعًا مسار انتشار الإسلام بين الشعوب، ومتوقفًا عند ما يصفه بغياب التحول الجماعي لليهود إلى الإسلام منذ البعثة النبوية.