نشأت توتار: من يربي أطفالنا؟
يحذر الأستاذ نشأت توتار من تنامي تأثير العالم الرقمي في تربية الأطفال، بعد أن أصبحت الشاشات والخوارزميات تنافس دور الأسرة والمجتمع في تشكيل شخصياتهم، مؤكداً أهمية دور الوالدين والقيم الأخلاقية في بناء جيل متوازن قادر على مواجهة تحديات العصر.
كتب الأستاذ نشأت توتار مقالاً جاء فيه:
لم تكن الأسرة في الماضي وحدها المسؤولة عن تربية الطفل، كان هناك الحي والمدرسة والمسجد والأقارب، كان الطفل ينمو وهو يجمع بين حنان أمه وهيبة والده ومعرفة معلمه وأخلاق الحي وقيم دينه، لتتشكل شخصيته من هذه العناصر جميعاً، كان كل واحد منها يضع لبنة في بناء شخصيته.
أما اليوم، فكثير من الأطفال ينشأون بمعزل عن هذه الدوائر، وتصبح الشاشة الرقمية الصغيرة التي يحملونها في أيديهم بمثابة مربٍّ جديد لهم، فالخوارزميات خلف هذه الشاشات تتحدث معهم أحياناً أكثر من الوالدين، وتقدم لهم محتوى لساعات أطول مما يقضونه مع المعلمين أو الأصدقاء.
ولهذا حان الوقت لنسأل أنفسنا:
"هل نحن فعلاً من نربي أطفالنا"؟
في الماضي كان الأطفال يحاولون التشبه بآبائهم وأمهاتهم، ويتخذون معلميهم قدوة لهم، ويقتدون بكبار الحي الذين يحظون بالاحترام، أما اليوم فأصبح بعض الأطفال يقلدون طريقة كلام صانعي محتوى لا يعرفونهم، يقلدون حركاتهم وملابسهم وحتى غضبهم، وأصبحت معايير الحياة تُصنع من مقاطع قصيرة عابرة، بدل أن تبنى على خبرات الأسرة وتجارب الكبار.
في العالم الرقمي الذي تقدمه الخوارزميات، لا يتعلم الطفل الرحمة بالضرورة؛ فالخوارزمية لا تملك أخلاقاً، ولا تهدف إلى تعليمه الصبر أو الوفاء أو الأدب أو احترام الحقوق، هدفها الوحيد هو جذب انتباه الطفل وإبقاؤه أطول وقت ممكن.
اليوم تتنافس أكبر الشركات في العالم للسيطرة على انتباه أطفالنا. تُنفق مليارات الدولارات، ويعمل آلاف المهندسين على تطوير أنظمة تجعل الإنسان مرتبطاً بالشاشة لفترة أطول، لأن شركات التكنولوجيا لا تربح من النفط أو الذهب أو الغاز فقط، بل تربح من انتباه الإنسان وعقله.
أطفال اليوم هم ربما أكثر الأجيال وصولاً إلى المعلومات في التاريخ، يستطيعون الوصول إلى أي معلومة في العالم خلال ثوانٍ، لكن مع زيادة المعلومات تقل الحكمة أحياناً، فنحن أمام خطر ظهور جيل يعرف أكثر، لكنه يفكر أقل؛ يرى أكثر، لكنه يشعر أقل؛ يستهلك أكثر، لكنه ينتج أقل.
كما أن التصفح المستمر والمقاطع المتتابعة تؤدي إلى تقصير مدة التركيز لدى الأطفال، ويصبح الانتظار والصبر أمراً صعباً، لأن العالم الرقمي يقدم لهم حياة وهمية تتحقق فيها الرغبات فوراً، بينما الحياة الحقيقية تحتاج إلى جهد وصبر ومثابرة، والشخصية الإنسانية لا تنضج إلا من خلال هذه التجارب.
القضية ليست أن التكنولوجيا أو الهاتف أو الإنترنت أو الذكاء الاصطناعي أعداء، بل السؤال هو: من يحمل هذه الأدوات؟ وما القيم التي تنقلها؟ ومن صاحب الصوت الأقوى في قلب وعقل الطفل؟
علينا أن نسأل أنفسنا بصدق:
من الصوت الأكثر حضوراً في غرفة أطفالنا؟ هل هو صوت الأب والأم؟ أم المعلم؟ أم أصوات خفية من عالم رقمي لا نعرف من يقف خلفها؟
الحقيقة أن الإنسان مع مرور الوقت يصبح شبيهاً بمن يستمع إليه كثيراً، فإذا كان عقل الطفل يتلقى معظم يومه أصواتاً غريبة عنه، فإن هذه الأصوات ستسهم بشكل كبير في تشكيل شخصيته.
وهنا يذكرنا الإسلام بنظرة مهمة إلى الطفل؛ فالطفل ليس ملكاً لوالديه، بل هو أمانة من الله، والأمانة لا تقتصر على إطعامه ورعايته، بل تشمل حمايته وتربيته وإعداده ليكون إنساناً صاحب شخصية وقيم.
ويقدم القرآن الكريم نموذجاً عظيماً في وصايا لقمان لابنه، لم تكن آنذاك تكنولوجيا أو شاشات، لكن كان هناك الإنسان والقلب والحكمة، وهذه هي الأمور التي يحتاجها أطفالنا اليوم.
أطفالنا هم الأمانة التي نحملها إلى المستقبل، فإذا لم نبنِ نحن قلوبهم وعقولهم، فسيبنيها آخرون وفق قيمهم وأهدافهم.
لأن القلب لا يبقى فارغاً أبداً، إما أن يمتلئ بالحق، أو تأتي أصوات أخرى لتملأ مكانه. (İLKHA)
تنبيه: وكالة إيلكا الإخبارية تمتلك جميع حقوق نشر الأخبار والصور وأشرطة الفيديو التي يتم نشرها في الموقع،وفي أي حال من الأحوال لن يمكن استخدامها كليا أو جزئياً دون عقد مبرم مع الوكالة أو اشتراك مسبق.
يوضح الأستاذ محمد أشين طبيعة الحرب الأمريكية الإيرانية التي تتجاوز حدود البلدين لتلقي بظلالها على العالم، منتقدًا ما وصفه بازدواجية المعايير في إدارة الاتفاقات والأزمات من غزة إلى طهران، مؤكداً أن تاريخ السياسة الأمريكية قائم على التدخلات العسكرية، محذرًا من أن استمرار الصراعات والهيمنة الخارجية سيبقي المنطقة في دائرة التوتر وعدم الاستقرار.
يدعو الأستاذ عبد الله أصلان الدول المشاركة في اتفاق وقف إطلاق النار إلى التحرك العاجل والضغط على إسرائيل لوقف هجماتها على غزة، معتبراً أن استمرار القصف رغم الهدنة يُفقد الاتفاق قيمته ويستدعي موقفاً موحداً من الدول الوسيطة وأصحاب الضمير.
يؤكد الأستاذ نشأت توتار أن الخطر الحقيقي الذي يهدد البشرية ليس الذكاء الاصطناعي، بل الإنسان الذي فقد قيمه وأخلاقه وضعفت صلته بخالقه، فأصبح أداة لنشر الظلم والحروب والفساد، فالتكنولوجيا تبقى وسيلة، أما الإنسان المنحرف أخلاقياً فهو من يحولها إلى وسيلة للدمار، لذا فإن بناء الإنسان وغرس القيم فيه هو الضمان الحقيقي لمستقبل الإنسانية.