علي عبد الفتاح… شهيد المنيا وعاشق القدس

كتب الأستاذ "إسلام الغمري" نائب رئيس مركز حريات للدراسات السياسية والإستراتيجية مقالاً حول الشهيد الشيخ علي عبد الفتاح أمير الجماعة الإسلامية في محافظة المنيا، ما يلي:
المنيا تنجب قائداً
من أرض المنيا الصعيدية، خرج رجل سيُسجَّل اسمه بين شهداء الأمة، هو الشيخ علي عبد الفتاح أمير الجماعة الإسلامية في المحافظة. عُرف بالصدق والجرأة، وبأنه أحد أبرز الأصوات الدعوية والجهادية في تلك الحقبة، يقود الشباب إلى معاني العزة والتضحية، ويغرس في قلوبهم حب الإسلام والاستعداد للفداء.
لم يكن مجرد قائد تنظيمي، بل كان روحاً متقدة، تحوّل حضوره إلى شعلة توقظ العزائم، وترشد الحائرين إلى طريق الصبر والجهاد.
جلال آباد… ميدان الشهادة
عام 1989، وفي معركة جلال آباد الشهيرة التي شكلت منعطفاً في الحرب ضد الاحتلال السوفييتي، كان علي عبد الفتاح في الصفوف الأمامية، يقاتل بصلابة المجاهد الذي باع نفسه لله. هناك ارتقى شهيداً، يكتب بدمه آخر سطور حياته، ليكون شاهداً على أن دماء الشهداء هي التي تصنع النصر وتصوغ التاريخ.
لم تكن جلال آباد مجرد معركة؛ بل كانت رمزاً لمقاومة أمة كاملة. وفي تلك اللحظة الفاصلة، صعدت روح علي عبد الفتاح إلى بارئها، وهو يزود عن حياض الإسلام، تاركاً خلفه أثراً لا يزول.
كلمات الشهادة
قبل استشهاده، ترك الشهيد وصايا مكتوبة وقصاصات ورقية، كأنها رسائل نور إلى الأمة. كتب يخاطب إخوانه المجاهدين قائلاً:
“أحبتي أهل الجهاد والرباط، أنتم ما نسيتم، أتعرفون من يذكركم؟ يذكركم المستضعفون ويهتفون: أصبح للإسلام مجاهدون. أنتم الآمال ترجى بعد الله سبحانه وتعالى، أنتم الأسد الغضاب، من سواكم يا شباب إن دعت يوماً صعاب، أنتم الآمال ترجى، أنتم الأسد الغضاب.”
هذه الكلمات لم تكن شعارات جوفاء، بل كانت عصارة حياة، عاشها بصدق واستشهد عليها.
لبيك يا قدس
كان قلبه معلّقاً بالقدس، يعيش بروحه هناك وهو يقاتل في جبال أفغانستان. فكتب قصيدته الخالدة، التي صارت نشيداً للأحرار:
“لبيك يا قدس الحبيبة كلنا نفدي الحمى
لبيك تفديك الرقاب بالألوف المسلمة
لبيك إن عزَّ الفداء بذل الرجال لك الدماء”
ثم أكمل:
“أنا عائد يا قدسُ عائدٌ رغم آلاف السدود
أنا حاملٌ روحي بكفّي أبتغي أجر الشهيد
يا قدس لا تنسي فجدي خالدٌ ابن الوليد”
كانت هذه الأبيات تجسيداً لروح تتوق إلى الفتح والشهادة، وتستحضر تاريخ الأمة من النبي ﷺ إلى خالد وصلاح الدين. لم تكن مجرد أبيات شعرية، بل كانت وعداً صادقاً بأن القدس ستبقى في القلب مهما ابتعدت الجغرافيا.
زهد في الدنيا، إقبال على الآخرة
عاصرت الشهيد علي عبد الفتاح رحمه الله، فكان من أكثر الناس زهداً في الدنيا، مقبلاً على الآخرة بقلب مطمئن. لم يطلب جاهاً ولا متاعاً، بل كان يرى أن الغاية الكبرى هي الشهادة في سبيل الله.
وذات يوم، اصطحبني إلى مقبرة طرخم، حيث يرقد الشهيد أبو مسلم الصنعاني، أحد الدعاة المشهورين الذي نال الشهادة في شهر شعبان من ذلك العام. وهناك وقف علي عند قبره وقال:
“يا ليتني أدفن مكانه، أو يا ليتني كنت مكانه.”
ولم تمض أيام كثيرة، حتى كتب الله له أن يُدفن بجواره في المقبرة نفسها، ليكون مع من أحب، وتتحقق أمنيته التي تمناها صادقاً.
قائد في المقدمة
كان علي عبد الفتاح يؤمن أن القائد الحق هو من يتقدم الصفوف. وكان يقول دائماً:
“إن كنت إمامي فكن أمامي.”
لم يعرف حياة الترف، ولم يقبل أن يتأخر عن جنوده. عاش كما أراد أن يكون: قائداً يقدّم نفسه قدوة، ورجلاً عزّ فيه الرجال.
عبد الله عزام يرثيه
لم يكن استشهاده خبراً عابراً، فقد نعاه الشيخ عبد الله عزام في كتابه عشاق الحور، وذكره في خطبة جمعة بمسجد سبع الليل في بيشاور، مبيناً أن دماء أمثال علي عبد الفتاح هي التي تحفظ للأمة حياتها. لقد كان عزام يرى فيه مثالاً للجيل الذي يعيد للأمة مجدها بدمائه وتضحياته.
شهادة بين الخنادق
صدق الله وعده فمات علي عبد الفتاح شهيداً، ليس على فراشه، بل بين الخنادق والبنادق، بين الرصاص والقنابل. تحققت فيه بشارة النبي ﷺ:
“من سأل الله الشهادة بصدق، بلّغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه.”
لكن الله كتب له أن ينالها حقاً، فارتقى إلى ربه في جلال آباد، مدافعاً عن حياض الإسلام، ليُبعث يوم القيامة من أرض أفغانستان في زمرة الشهداء.
من جلال آباد إلى غزة… خيط دم لا ينقطع
حين نستعيد سيرة الشهيد علي عبد الفتاح، نستحضر أن دماء الشهداء لا تضيع، بل تجري في عروق الأمة لتغذي معاركها المتجددة. فالرجل الذي ارتقى في جلال آباد عام 1989، كان يقاتل بروحه في القدس وهو يكتب: “لبيك يا قدس الحبيبة كلنا نفدي الحمى…”.
واليوم، بعد عقود، ها هي الأمة تعيش طوفان الأقصى في غزة، حيث يقف رجال آخرون، من جيل جديد، ليكملوا الرسالة ذاتها التي حملها علي عبد الفتاح. فكما كان يزود عن الإسلام في أفغانستان، يزود أبناء فلسطين عن الإسلام في غزة، ويكتبون بدمائهم ملحمة جديدة في مواجهة الاحتلال.
إن الشهيد علي عبد الفتاح هو واحد من أولئك الذين مهدوا بدمائهم الطريق، ورسموا للأمة معالم الكرامة. وما يحدث اليوم في غزة ليس إلا امتداداً لتلك السلسلة المباركة من التضحيات، حيث يتلاقى جهاد الأمس بجهاد اليوم، ويهتف التاريخ أن الأمة لا تُهزم، ما دام فيها رجال يعشقون الشهادة كما يعشق أعداؤها الحياة. (İLKHA)
تنبيه: وكالة إيلكا الإخبارية تمتلك جميع حقوق نشر الأخبار والصور وأشرطة الفيديو التي يتم نشرها في الموقع،وفي أي حال من الأحوال لن يمكن استخدامها كليا أو جزئياً دون عقد مبرم مع الوكالة أو اشتراك مسبق.
يدعو الأستاذ عبد الله أصلان إلى تحرك حازم وفوري لوقف القتلة في غزة، ويحذر من أن استمرار الصمت أو دعم الاحتلال سيجر المنطقة إلى كارثة شاملة.
يسلّط الأستاذ محمد كوكطاش الضوء على تحوّل لافت في المشهد العالمي، حيث لم يعد الصهاينة قادرين على التجول بأمان كما في السابق، فيما تتصاعد يقظة إنسانية تتجه نحو ضمير عالمي مشترك لمواجهة الصهيونية.
كتب الأستاذ "إسلام الغمري" نائب رئيس مركز حريات للدراسات السياسية والإستراتيجية مقالاً في ذكرى إعدام المفكر الإسلامي سيد قطب، ما يلي: